"نحن قد نشعل حرائق هائلة زاعمين أنها دفاع عن مبادىء وقضايا كبيرة نؤمن بها ,لكن يبقى سبب إشعالها فقط أننا نحاول إخفاء قلوبنا وكبريائنا الذبيحة خلف دخان الحرائق الأسود .حقيقة قد ننكرها وقد لاندركها إلا بعد أن تأتى النار على كل ما كان "
بهذه المقدمة الصغيرة جداً ... الموحية جداً تبدأ نور عبد المجيد روايتها التى أدهشنى أننى لم أعرف بصدورها قبل عام كامل رغم أنى من متابعى قلمها المخلصين... !!! نور عبد المجيد مثلها مثل الراحل فتحى أبو الفضل رغم الفارق الزمنى بينهما ..... كليهما ألجأ لأعماله ذات الطابع الاجتماعى الرومانسى القريب من جو أفلام السينما المصرية فى السبعينيات عندما أحتاج لالتقاط أنفاسى من سلسلة متوالية من القراءات الدسمة أو حين تنتابنى نوبة ضجر طارئة من القراءة فأحتاج لإعادة شحن البطارية .وفى ذات الوقت أتجنب كم التكلف والمبالغة الذى أستشعره فى صورة المرأة لدى إحسان عبد القدوس . فى عيد الأم الماضى كنت أنوى الكتابة عن آخر ما كنت قد قرأت لها "نساء ولكن"لأشيد بالتطور الواضح فى خروجها من الحيز الضيق لقصة الحب التقليدية لتقدم خطوة جادة على طريق دراما نفسية وإنسانية تدور فى قالب أنثوى شديد الدفء والتناغم , لكن حالت ضغوط العمل وتتابع الأحداث السياسية دون ذلك لأجد نفسى الآن أمام نقلة أعمق وأكثر نضجاً فى عمليها الأخيرين "أريد رجلاً" و"أحلام ممنوعة "وبالأخص الثانية التى اتخذت من أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير محوراً لها , ومع ذلك أنحاز أكثر إلى " أريد رجلاً" ليس فقط من باب الانحياز الفطرى للقضية التى تطرحها الرواية .. ولكن أيضاً لطزاجة الطرح وحميميته رغم إنه جاء فى العديد من الأجزاء المهمة مختصراً مبتوراً . فكرة الزوجة المحبة الوفية التى تُصدم فى زواج زوجها بأخرى من أجل إنجاب الذكر قُتلت بحثاً فى العديد والعديد من أعمالنا الأدبية والدرامية لكن ما من بطلة ردت الصفعة لزوجها بطريقة أمينة عزت فى رواية نور عبد المجيد التى أعجبنى أنها استوحت اسمها واسم ابنتها واسم قريبتها الدكتورة سهام فى سياق العمل على طريقة كسر الإيهام السينمائى كما يقول المخرجون , وللحق فقد كان لهذا تأثيره فى دفعى لمزيد من التعاطف مع البطلة المصدومة بل ومع غريمتها التى ربطت مصيرها برجل امتلكت أخرى جوارحه كلها منذ سنوات .
الخطوط الفرعية فى "أريد رجلاً" تمثل قيمة كبرى: الخال الأرمل العقيم .. الصديقة غير الجميلة وقصتها مع رجل خانته زوجته .. الأب الذى لم يدرك مدى ظلمه لزوجته الراحلة إلا بعدما تعرضت وحيدته لذات الظلم على يدى زوجها .. كلها تفاصيل صغيرة تتجمع لتصب فى بؤرة المشكلة الرئيسية : سليم وأمينة وزواجهما الذى تحطم . أعيب هنا على الكاتبة استغراقها - شأن معظم الكاتبات المصريات- فى وصف لون القميص الذى ترتديه البطلة وطريقة تصفيف شعرها على حساب جوانب أخرى أكثر أهمية . لقد شعرت أنها استنفذت طاقة السرد لديها فى التمهيد للحظة الانفجار بين الزوجين التى مرت عليها وعلى ما تلاها حتى مشهد الختام مروراً لاهثاً ضحلاً بحيث أضاعت فرصة تقديم عمل أدبى كان سيستحق أن تعيه ذاكرة القارىء العربى لسنوات قادمة وكانت السينما ستلتفت فوراً إليه بمعالجته غير التقليدية لقضية قديمة قدم آدم وحواء على الأرض .. !!! أتحفظ كذلك بشكل عام على اختيار نور عبد المجيد الدائم للبطلات الحسناوات بنات الطبقة الثرية وفوق المتوسطة بشكل يضفى نوعاً من السطحية على الصراع الذى تعيشه البطلة , وإن كنت هذه المرة أجد الاختيار موفقاً لتجريد البطل من أية مبررات للزواج الثانى الذى حطم به زوجته سوى التلهف على إنجاب الذكر . إحدى النقاط التى مرت عليها الكاتبة مرور الكرام كانت رغبة الزوج نفسه فى الوريث والتى لم نعرفها إلا على لسانه فى نهاية الرواية لنكتشف أن ضغط والدته لم يكن السبب الأوحد كما كان يبدو... !!! مثل هذا الأمر كان يحتاج لوقفة أكبر وأكثر استفاضة , وكذلك الطفلتين كان يجب أن تحصلا على مساحة أكبر لتحركا فى نفس الأب الخائن شعور الذنب والتقصير فيزداد الصراع النفسى دسامة وسخونة .أيضاً نهاية الرواية كانت تحتاج لمزيد من التأنى ... كأن يمارس الزوج المذبوح فى كرامته الحب لأخر مرة مع زوجته التى أدمى قلبها وكبريائها قبل أن يغادر البيت . استدعت ذاكرتى هنا نبيل نصار بطل رواية صديقتى الدكتورة ريم بسيونى " الحب على الطريقة العربية" الذى كان حريصاً على عدم الإنجاب من زوجته المصرية تجنباً لترك أطفال أيتام خلفه .. وعندما زار زوجته لآخر مرة شاعراً إنهما قد لا يلتقيان ثانية يتخلى عن كل الموانع والاحتياطات التى كان يتخذها عادة ويندفع بجنون رجل يعشق امرأة فى الغالب سيُحرم منها للأبد ويود لو ترك داخلها بضعة منه . فى "أريد رجلاً" كان الأمر سيختلف قليلاً إذ أن الزوجة تواجه خطراً على حياتها فى حالة الحمل ومن ثم كان الأوقع أن يبادر الزوج العاشق بكل اشتياقه إليها , وبكل ثورة رجولته الجريحة التى تتوق للشعور بخضوعها له وضعفها أمامه , بمحاولة الحصول على حقه الشرعى منها لآخر مرة بينما تتخلى هى عن موانع الحمل رغبة فى طفل يفتح باب الأمل بينهما من جديد . ولكن نور عبد المجيد للأسف أشعرتنى أنها قد سئمت القصة كلها فتعجلت إنهاءها على أى طريقة كانت ... !!!!
خلاصة القول .. لقد شعرت بعد قراءة " أريد رجلاً " بالكثير من التقدير لأبى الحبيب الذى لم يشعرنى وشقيقتى يوماً بالدونية كوننا أنثيين , وشعرت بغضب هادر تجاه مجتمع لا يعيب على الرجل انصياعه لأمه فى قراراته المصيرية لكن يعيب على الزوجة الغضب لكرامتها وإحساسها مع تحفظى على أسلوب البطلة فى الثأر لنفسها من زوجها . كنت ومازلت أكره تعبيرات "أدب المرأة" , "سينما المرأة" , "كوتة المرأة" , وغيرها من المصطلحات التى تشعرنى أن الوضع الافتراضى للإنسان أن يُخلَق رجلاً ...!!!! ولكن نور عبد المجيد بروايتها تلك رغم الثغرات التى احتوتها نجحت فى خلق حالة تستحق فعلاً أن يُطلَق عليها "رواية أنثوية " بدفء مشاعرها ولغتها السلسة العفوية وجرأتها فى عرض موضوعها الذى بات مستهلكاً وأحيته هى برهافة وذكاء يستحقان الإعجاب .
ملحوظة : وضعت مسودة هذه التدوينة منذ أيام , ولعل القدر دفعنى لتأجيلها حتى يتسنى لى اهداؤها لروح الراحلة حسن شاه .أحياناً ما كنت أختلف معها عندما أستشعر نوعاً من المغالاة فى التجنى على الرجل فى بعض كتاباتها .. ولكن تبقى الحقيقة التى لا جدال فيها أن ما من سيدة ولا فتاة فى هذا البلد لا تدين بالكثير لحسن شاه وقلمها الشجاع المناصر لقضايا بنات جنسها منذ أكثر من نصف قرن .رحم الله حسن شاه



هناك تعليقان (2):
اولا اعذرى جهلى
لم اقرأ لها من قبل لكنك شوقتينى ان اقرالها
طبعا تحليل و نقد متميز كالعادة
حصر الابطال فى طبقة معينة يؤدى الى الافلاس الفكرى بعد قليل
و لعلك تتذكرين مسلسلات منى نور الدين
الحرملك و النساء يعترفن سرا و غيرها
رحم الله حسن شاه
تحياتى
9 بوستس .. مش كتير فاتوني المرة دي
لكن ما زلت أكرر بإني باستمتع جداً بالمدونة ي وكأنها مجلة نقدية فنية ومليئة بالمعلومات الفنية والتاريخية واللي كلها فعلا بتكون جديدة عليا
أحييك، واستمري
إرسال تعليق